ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

218

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

يقول : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) [ الذّاريات : 17 ، 18 ] فكن يا هذا ساجدا راكعا ؛ فإن اللّه تعالى يقول : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [ السّجدة : 16 ] فاعمل عملا تجد قربة إلى ربك ؛ فإن اللّه تعالى يقول : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) [ الرّحمن : 31 ] . فانظر يا هذا الأمر وهذا الوعيد واحترس على السلامة ليوم القيامة ؛ فإن الموقف عظيم والخطب جسيم ، والفزع الأكبر فيه كل ذي لب يفزع ، يوم ترى الناس قد قاموا شعثا غبرا كأنهم الجنبيذ حفاة عراة شاخصين الأبصار من هول الطلع ويوم الفزع ، فاجتهد في أعمالك ، وحسن حالك ، واعتد ليوم القدوم والعرض على الحي القيوم ، يوم يخرج الزقوم والصحف والدواوين ، وتجد كل شيء مسطرا عليك ، فتجد كتابك يا هذا هنيئا لك إن أخذته باليمين ، وترص أعمالك كما هو قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) [ الحاقّة : 19 - 21 ] وأما من أوتي كتابه بشماله فهو في شدة الأهوال وضيق الأحوال والسموم والجحيم والعذاب والآلام وأهوال عظيمة وأمر شديد جدا وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] فليس من ضيّع نهاره وعمره في البطالة والتسوف ، إنما ذلك غفلة وخوف ورجيف ، فانتبهوا رحمكم اللّه من غفلة النوم والرقاد قبل أن يوقظكم البعض ليوم الحساب والجدال ، فتجدون أعمالكم مسطرة وأسطاركم مشهرة كتمان ما كنتم تكتمون ، وأخفى خفي ما كنتم تستترون ، قد نودي عليكم بالصريح والتوبيخ ، فلان عمل كذا وكذا ، وكان يستتر من الناس ولا يستتر من اللّه ، فلان اقتحم المهالك والمعاصي ، ولم يفكر في أخذه بالنواصي ، فلان كان مرتكب المحارم والكبائر والموبقات والعظائم ، ويشرب الخمر ، ويسمع الطرب والزمر ، ويحن إلى الغناء والنصب ، وإلى الدف واللعب ، كان ممن يسمع الردى والمنكور في الشرع ، كان يصم عن سماع المواعظ ، ويهزأ بالمواعد ، كان لسانه يفتري ويتجرأ ، وشفته تمص أقداح الصهباء ويتحرك في طلب الردى ، شعره ينشره لاصطياد الفواحش ، ودنوه لمواقع النجائس ، ويديه ولسانه فاحش ، وقلبه هاجس وطرفه يعطف ويميل ويحرف إلى صيداته ، كان لص سارق أو منافق ، أعين عن الطرف ؛ فإن الطرف له سرقات وسهام يجليها للقلب فإن القلب زناه خفي نوى نية بمكيدة النفس ، وأن يصبر على صميم يؤذيه معصيته فيكتب لك يا هذا قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] فاعتد للغاية ، فإن اللّه تعالى يقول : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] ويقول